ابن كثير
496
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ما وراء البحر ، وإنها لإحدى الكبر إذ اختاره مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر . وقيل : إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر . وقيل : بل هي صلاة الجماعة . وقيل : صلاة الجمعة . وقيل صلاة الخوف . وقيل : بل صلاة عيد الفطر . وقيل : بل صلاة الأضحى ، وقيل : الوتر . وقيل : الضحى . وتوقف فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة ، ولم يظهر لهم وجه الترجيح ، ولم يقع الإجماع على قول واحد ، بل لم يزل النزاع فيها موجودا من زمان الصحابة وإلى الآن . قال ابن جرير : حدثني محمد بن بشار وابن مثنى ، قالا : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب ، قال : كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه ، وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها ، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر ، وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعين المصير إليها . وقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما اللّه في كتاب الشافعي رحمه اللّه ، حدثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى التجيبي يقول : قال الشافعي ، كل ما قلت فكان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم . بخلاف قولي مما يصح ، فحديث النبي صلّى اللّه عليه وسلم أولى ولا تقلدوني ، وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن الشافعي ، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي : إذا صح الحديث وقلت قولا ، فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك ، فهذا من سيادته وأمانته ، وهذا نفس إخوانه من الأئمة رحمهم اللّه ، أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر ، وإن كان قد نص في الجديد وغيره أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر ، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثني المذهب الشافعي ، وصمموا على أنها الصبح قولا واحدا ، قال المارودي : ومنهم من حكى في المسألة قولين ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة وللّه الحمد والمنة . وقوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أي خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه ، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها ، ولهذا لما امتنع النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة ، اعتذر إليه بذلك وقال « إن في الصلاة لشغلا » . وفي صحيح مسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة « إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر اللّه » ، وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل ، حدثني الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني ، عن زيد بن أرقم ، قال : كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الحاجة في الصلاة ، حتى نزلت هذه الآية وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت ، رواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن إسماعيل به . وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في